ابن كثير
527
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال : هو عزير . ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه ، وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة ، وهذا القول هو المشهور وقال وهب بن منبه وعبد اللّه بن عبيد ، هو أرميا بن حلقيا . قال محمد بن إسحاق ، عمن لا يتهم عن وهب بن منبه ، أنه قال : هو اسم الخضر عليه السلام . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال : سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري من أهل الجار « 1 » ابن عم مطرف ، قال سمعت سلمان يقول : إن رجلا من أهل الشام يقول : إن الذي أماته اللّه مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بوار . وقال مجاهد بن جبر : هو رجل من بني إسرائيل ، وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس ، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها وَهِيَ خاوِيَةٌ أي ليس فيها أحد ، من قولهم خوت الدار تخوي خويا . قوله عَلى عُرُوشِها أي ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها ، فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة ، وقال أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ؟ وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه ، قال اللّه تعالى : فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قال : وعمرت البلاد بعد مضي سبعين سنة من موته ، وتكامل ساكنوها ، وتراجع بنو إسرائيل إليها ، فلما بعثه اللّه عز وجل بعد موته ، كان أول شيء أحيا اللّه فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع اللّه فيه : كيف يحي بدنه ، فلما استقل سويا ( قال ) اللّه له ، أي بواسطة الملك : كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قال : وذلك أنه مات أول النهار ، ثم بعثه اللّه في آخر النهار ، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم ، فقال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير ، فوجده كما تقدم لم يتغير منه شيء ، لا العصير استحال ، ولا التين حمض ولا أنتن ، ولا العنب نقص وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ أي كيف يحييه اللّه عز وجل ، وأنت تنظر وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أي دليلا على المعاد وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها أي نرفعها ، فيركب بعضها على بعض . وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نعيم عن إسماعيل بن حكيم ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ : كَيْفَ نُنْشِزُها بالزاي ثم قال : صحيح الإسناد . ولم يخرجاه . وقرئ « ننشرها » أي نحييها ، قاله مجاهد ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً . وقال السدي وغيره تفرقت عظام حماره حوله يمينا ويسارا ، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها ، فبعث اللّه ريحا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة ، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارا قائما من عظام لا لحم عليها ، ثم كساها اللّه لحما وعصبا وعروقا وجلدا ، وبعث اللّه ملكا فنفخ في منخري الحمار ، فنهق بإذن اللّه عز وجل ، وذلك كله بمرأى من العزيز ، فعند ذلك لما تبين له هذا كله
--> ( 1 ) الجار : مدينة على ساحل البحر الأحمر . كانت على مسافة عشرين يوما جنوبي أيلة وثلاثة أيام من الجحفة . وقد ظلت موجودة إلى نهاية القرون الوسطى فحلّت محلها مدينة ينبع صوب الشمال . ( دائرة المعارف الإسلامية 10 / 391 ) . .